الاقتصاد العراقي الكليالجلسة الثانية: إشكاليّة الدولة الريعيّةملف الدولة الريعيّة

عدنان الجنابي- الدولة الريعية والدكتاتورية

أولاً:الريع

لربما يكون كارل ماركس اول من لفت النظر الى ما اسماه “الرأسمالية الريعية”. وكان يقصد ظاهرة اقتصادية- اجتماعية، يصف من خلالها طبقة رأسمالية غير منتجة اقتصادياً. ودخلها لا يتأتى من انتاج البضائع والسلع بل من خلال امتلاك مصادر الريع، مثل الاراضي والعقارات المؤجرة وحتى الاسهم والسندات. وفي علم الاجتماع يستعمل التعبير للاستدلال الى الطبقات الطفيلية غير المنتجة.

غير ان من اعطى الريع (Rent) معناه الاقتصادي المحكم اكاديمياً هو ديفيد ريكاردو⁽¹⁾ في كتابه “حول مبادئ الاقتصاد السياسي والضرائب”. والريع بالمعنى الريكاردي هو الدخل الاضافي من الارض الزراعية المتأتي من الميزة الاقتصادية من استعمال نفس وحدة المساحة بما يتجاوز عائد الارض الحدية المستعملة لنفس الغرض. اي ما يتجاوز الكلفة، عند تساوي عناصر الانتاج من عمل ورأسمال. فإن الارض الخصبة تنتج غلة اكثر من الارض الرديئة حتى لو استعملنا نفس المدخلات من بذور واسمدة وعمل ومياه. والارض “الحدية” تغطي الكلفة. وما دون الحدية لا تستغل. والدخل الناتج من الارض الاخصب من الحدية هو “ريع”. وهو بهذا المعنى غير الايجار التعاقدي المتأتي من الارض او العقار للغير. وينطبق الريع الريكاردي على ميزات الموقع والعوامل الطبيعية. ومن هذا المفهوم تم اشتقاق ريع المنجم الذي يطبق اليوم على الريع المتأتي من انتاج الموارد الطبيعية مثل النفط والغاز عندما تكون كلفة الانتاج أقل بكثير من سعر البيع.

تستعمل كلمة (الريع) باللغة العربية و(Rent) باللغة الإنكليزية بعدة معاني، غير ما أوردناه اعلاه في تعريف الريع الاقتصادي بمفهوم ديفيد ريكاردو. فالريع يستعمل كبديل لكلمة (Royalty) بمفهوم “الاتاوة” او “حصة المالك- الملك”. وفي الصناعة النفطية كانت الكلمة ترد بشكل مستقل عن الضريبة باعتبارها حصة للمالك قبل احتساب الضريبة. وكان هذا الاستعمال شائعاً في زمن الامتيازات، ولا تزال تستعمل في بعض العقود النفطية. أما الاستعمال الشائع لكلمة (Rent) باللغة الانكليزية فهو ما يتعلق بإيجار البيوت والعقارات.

وحسب علمنا، فإن اول من ربط بين مفهوم الريع بالدولة تحت مسمى الدولة الريعية (Rentier State) هو حسين مهدوي⁽²⁾ في بحثه الموسوم “نمط ومشاكل التنمية الاقتصادية في الدول الريعية- حالة ايران” والذي نشر عام 1970. وشخص مهدوي طبيعة الدولة الريعية في انها الدولة التي تعتمد بالدرجة الأولى على دخل ريعي يتأتى من مادة اولية (النفط). والدولة بهذه الحال تعتمد على دخل مستديم يأتي من الخارج. وهذه الحال تتجسد في الدول النفطية النامية والتي لا يشارك الاقتصاد المحلي فيها بشيء يذكر في انتاج النفط او تصنيعه.

ومن صفات الدولة الريعية عند حسين مهدوي الميل الى التضخم في حجم الدولة وحجم القوات الأمنية والمسلحة والميل الى الدكتاتورية.

وقد طور حازم بلباوي⁽³⁾ هذا المفهوم وشخص اربع خصائص رئيسية تشترك فيها الدول الريعية في العالم العربي:

1- الدخل الريعي هو الدخل السائد في الاقتصاد.

2- يتأتى الريع من الخارج بحيث لا يحتاج الاقتصاد المحلي الى قطاع انتاجي قوي.

3- تشكل الايدي العاملة المشغلة في تحقيق الريع نسبة قليلة من مجموع القوى العاملة.

4- تكون الدولة (الحكومة) هي المتلقي الرئيسي للريع الخارجي.

ومن الصفات الملازمة للدولة الريعية ان تكون الدولة هي المشغل الرئيسي للناس، مما يجعلها بيروقراطية متضخمة وغير كفوءة. وفي مثل هذه الظروف يصعب ظهور مجتمع مدني نشيط. وبالتالي لا يكون هناك دافع للتطور نحو الديمقراطية.

ومنذ عام 1990 عندما نشر بلباوي ولوشياني كتابهما عن “الدولة الريعية في العالم العربي” ظهرت دراسات متخصصة حول مناطق مختلفة من العالم مثل دراسة اليكس هارنييت ستيفس⁽⁴⁾ عن نيجيريا واحمد كورو⁽⁵⁾ عن دول اسيا الوسطى، والبحث الواسع النطاق والعمق لتيري لين كارل⁽⁶⁾ عن فنزويلا (وشملت الدراسة بحث مقارن كذلك عن ايران ونيجيريا والجزائر واندونيسيا)، واصدار معهد الدراسات الستراتيجية⁽⁷⁾ عن “النفط والاستبداد: الاقتصاد السياسي للدولة الريعية” وقد صدرت مؤخراً دراسة متميزة للدكتور على خضير مرزا⁽⁸⁾ عن ليبيا. ونشر الدكتور محمد علي زيني⁽⁹⁾ على موقعه الالكتروني مقالة هامة تحت عنوان “العقلية الريعية للحكومة العراقية”. وهناك تعليقات هامة للدكتور عادل عبد المهدي⁽¹⁰⁾ عن “الدولة الريعية وملكية الشعب للنفط”.

للاطلاع على النص الكامل للبحث والملحقات يرجى تنزيل الملف بصيغة بي دي أف

Comment here

%d مدونون معجبون بهذه: